المقريزي

132

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

رذيلة وذميمة من الأخلاق ، فإنّ الملك سوف « a » يجبى إليه ما أنفق « b » به . وكيف لمّا علم ابن عقيل أنّ غلامه استفاد على اسمه ألف دينار ، لم يشره إلى أخذها ، بل دفع عنه الخمسة الدنانير « c » . وما ذلك إلّا من انتشار الخير في النّاس ، وكثرة أموالهم ، وسعة حال كلّ أحد بحسبه ، وطيب نفوس الكافّة ، ولعمري لو سمع في زمننا أحد من الأمراء والوزراء - فضلا عن الباعة - أنّ غلاما من غلمانه أخذ على اسمه عشر هذا المبلغ ، لقامت قيامته . وكيف اتّسعت أحوال الخشّابين حتى وزنوا ألف دينار في ساعة ، وأنّه ليعسر اليوم على الخشّابين أن يزنوا في يوم مائة دينار . وهذا كلّه من وفور غنى النّاس بمصر ، وعظم أمرهم ، وكثرة سعاداتهم . « d » وكان / الفسطاط نحو ثلث بغداد - ومقداره نحو « e » فرسخ - على غاية العمارة والخصب والطّيبة واللّذّة ، وكانت مساكن أهلها خمس طبقات وستّا وسبعا ، وربّما سكن في الدّار الواحدة المائتان من النّاس . وكان فيه دار عبد العزيز بن مروان يصبّ فيها لمن فيها في كلّ يوم أربع مائة راوية ماء ، وكان فيها خمسة مساجد وحمّامان وعدّة أفران يخبز بها عجين أهلها « 1 » . وقد قال أبو داود في كتاب « السّنن » : شبّرت قثّاءة بمصر ثلاثة عشر شبرا ، ورأيت أترجّة على بعير قطعتين : قطعت وصيّرت على مثل عدلين ؛ ذكره في باب صدقة الزّرع من كتاب الزّكاة « 2 » . قلت : وقد ذكر أنّ هذا كان في جنان بني سنان البصري خارج مدينة الفسطاط ، وكانت بحيث لم ير أبدع منها . فلمّا قدم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون بن هارون الرّشيد مصر سنة سبع عشرة ومائتين ، رأى جنان بني سنان هذه ، فأعجب بها وسأل إبراهيم بن سنان : كم عليه من الخراج لجنانه ؟ فذكر أنّه يحمل إلى الدّيوان في كلّ سنة عشرين ألف دينار ؛ فقال المأمون : وكم تردّ عليك هذه الجنان ؟ قال : لا أستطيع حصره ، إلّا أنّ ما زاد على مائة ألف دينار أتصدّق به ولو درهما . هذا وله ولد اسمه أحمد بن إبراهيم بن سنان يوصف بعلم وزهد « d » .

--> ( a ) بولاق : سوق . ( b ) بولاق : نفق . ( c ) بولاق : خمسة الدنانير . ( d - d ) غير موجودة في ظ . ( e ) ساقطة من بولاق . ( 1 ) مصدر هذا الخبر ابن حوقل : صورة الأرض 146 ؛ وقارن المقدسي : أحسن التقاسيم 198 ؛ الإدريسي : نزهة المشتاق 323 ؛ ابن سعيد : المغرب 3 ؛ القلقشندي : صبح الأعشى 3 : 336 ؛ وانظر كذلك ناصر خسرو : سفرنامه 101 ؛ وعن وصف منازل الفسطاط انظر Fu ' d Sayyid , A . , op . cit . , pp . 605 - 10 ، وفيما يلي 151 . ( 2 ) انظر فيما تقدم 1 : 75 .